loader image
Conspiracy theory between the individual and society

نظرية المؤامرة بين الفرد والمجتمع

نظرية المؤامرة بين الفرد والمجتمع

الفصام، كما يؤثر على الأفراد، يؤثر أيضًا على المجتمعات بطريقة تكاد تكون متشابهة من حيث الأعراض والتعقيدات.

يبدأ الفصام عندما يصبح المريض فريسة لأوهام نظرية المؤامرة. كل ما يحدث له ولمن حوله هو جزء من مؤامرة كونية ضده، وعندما يسأل لماذا أنت تحديدًا، كل الناس يتآمرون عليك، فتكون الإجابة تقريبًا موحدة، ويظهر مجموعة أخرى من الأوهام المرتبطة بعظمته وذكائه ومكانته ونجاحه وقدراته المتفوقة. وإذا رفضت تصديق هذه المنطق، فسيتم إضافتك إلى قائمة المتآمرين، وهكذا يتسع الدائرة تدريجيًا لتشمل كل من يرفض تصديق نظرية المؤامرة لأن المريض بالفصام لديه شعور معين بصحة الأوهام لا يمسه أدنى شك.

هناك العديد من النظريات التي تحاول تفسير هذا المرض الذي لا علاج له، بما في ذلك أنه عندما يشعر المريض بالقلق أو الخوف أو الفشل الذي لا يجد له مبررًا، يبدأ في استخدام التفكير المؤامراتي لتفسير كل ما يحدث له ولمن حوله، ويبدأ تدريجياً في اختراع الأوهام ويصدقها في محاولة للهرب من مواجهة مشاكله التي لا يستطيع حلها، وتزداد الأوهام سوءًا ويصبح المريض أكثر انشغالًا بها حتى ينفصل تمامًا عن الواقع من حوله ويفقد الرغبة / القدرة على فعل أي شيء لحل مشاكله لأنه يرى أنه لا يوجد أمل وأن كل من حوله يتآمر عليه على مبدأ “ما في فائدة”. وهذا ما يحدث الآن في مصر. أصبح المجتمع المصري (وبدقة، قطاع واسع منه، وليس كله) فريسة لنظرية المؤامرة وأصبح غارقًا فيها حتى أذنه، ولا يجد مبررًا آخر لتفسير المشاكل والتحديات التي تحدث من حولنا.

لن يستطيع رؤية أننا مسؤولون عن جزء كبير من مشاكلنا وأن لدينا أيضًا جزءًا كبيرًا من الحل. نحن في مرحلة سادت فيها التفكير المؤامراتي وطغت على لغة المنطق والحوار. إذا رفضت تصديق نظرية المؤامرات العالمية ضد مصر، قد يتم اتهامك بأنك جزء من المؤامرة، أو أنك لا تحب وطنك، على أقل تقدير.

وإذا حاولت أن تضع جانبًا نظرية المؤامرة كالتفسير الوحيد لمشاكلنا وظروفنا السيئة وبدأت تتحدث بلغة أكثر منطقية وعقلانية عن وجود صراع في المصالح أو التحديات المتوقعة التي تفرضها واقعية محلية وإقليمية ودولية معقدة، فلن تجد آذانًا صاغية لأن الهستيريا المؤامراتية بصوتها العالي وسطحيتها قد أسكتت آذان الناس وأعاقت عقولهم عن التفكير المنطقي. الغرق في نظرية المؤامرة هو الحل الأسهل، لأنه يعفيك من المسؤولية عن الفشل الذي وصلت إليه الأمور، لذلك يكفي أن تلمّ شفاهك على أوضاعنا السيئة وتخرج كل غضبك على “الأشرار”. نظرية المؤامرة أيضًا مريحة لأنها لا تتطلب منك بذل أي جهد أو حتى التفكير في كيفية تجاوز مشاكلك بمنطق “ماذا تفعل؟ لماذا يتآمر علينا كل العالم؟”

آخر شيء تحققه لك نظرية المؤامرة هو أنها تعطيك مبررًا لقتل كل من يرفض تصديقها لأن من وجهة نظرك هو جزء لا يتجزأ من هذه المؤامرة. وهكذا، عندما يقع المجتمع فريسة لنظرية المؤامرة، تضيق الخيارات أمام أعضائه وتقتصر بين أمرين: إما أن تصدق في نظرية المؤامرة وتروج لها كما يتم تقديمها لك من قبل النظام وخبرائه وإعلامه، فتصبح “مواطنًا شريفًا يحب وطنه، أو أن تحترم عقلك وترفض الطاعة، ثم لا يجب أن تتفاجأ عندما تجد اسمك في قائمة “الأشرار”.